سهيلة عبد الباعث الترجمان
691
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الحدوث ومعنى القدم وطبيعة كل منهما ، وعلاقتهما بالذات الإلهية ، وهل هي قديمة أم محدثة ؟ وقد حدد مفهوم كل منهما بقوله : " القدم عبارة عن حكم الوجوب الذاتي ، فالوجوب الذاتي هو الذي أظهر اسمه القديم للحق ، لأن من كان وجوده واجبا بذاته لم يكن مسبوقا بالعدم ، ومن كان غير مسبوق بالعدم لزم أن يكون قديما بالحكم ، وإلّا فتعالى عن القدم ، لأن القدم تطاول مرور الزمان على المسمى به تعالى الحق عن ذلك ، فقدمه إنما هو الحكم اللازم للوجوب الذاتي ، وإلّا فليس بينه سبحانه وتعالى وبين خلقه زمان ولا وقت جامع ، بل تقدّم حكم وجوده على وجود المخلوقات هو المسمى بالقدم " « 1 » . ولما كان القدم هو حكم الوجوب الذاتي ، فإن الخلق لا قدم له في ذلك لأنه له حكم الإمكان في الوجود إذ ليس وجوده بذاته ، بل بغيره . ومن كان هذا شأنه فوجوده آنيّ ، وجد في وقت معين ، وينطبق عليه حال الفناء لاحتياجه إلى موجد يوجده ، ومن هنا جاءت تسميته بالمحدث ، وهو ما أشار إليه بقوله : " وطروّ المخلوق لافتقاره إلى موجد يوجده ، هو المسمّى بالحدوث ، ولو كان للحدوث معنى ثان وهو : ظهور وجوده بعد أن لم يكن شيئا مذكورا ، فإن الحدوث الشائع ، اللازم في حق المخلوقات إنما هو افتقاره إلى موجد يوجده ، فهذا الأمر هو الذي أوجب اسم الحدوث على المخلوق ، فهو ولو كان موجودا في علم اللّه فهو محدث في نفس ذلك الوجود ، لأنه فيه مفتقر إلى موجد يوجده ، فلا يصح على المخلوق اسم القديم ولو كان موجودا في العلم الإلهي قبل بروزه ، لأن من حكمه أن يكون موجودا بغيره ، فوجوده مرتب على وجود الحق وهذا معنى الحدوث " « 2 » . فالعالم على هذا النحو إذن لا علاقة له بالقدم بأي وجه من الوجوه لما له من صفة الافتقار للحق ، فالعالم كله منه تعالى ، أوجده من ذاته عندما أراد إظهار كنزيته المخفية في ذاته ، ويستند في إثبات ذلك إلى قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 3 » وهذا دلالة واضحة على أن العالم لم يكن ثم كان
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 72 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 72 . ( 3 ) سورة الجاثية ، الآية : 13 ك .